هل أشتري بمهري ذهباً؟

❞ ليس كل ما يلمع ذهباً ❠


دعيني أروي لك قصة عن امرأة عربية عاشت قبل آلاف السنين. يروي القصة خطيبها الفارس عمرو -من زاويته الخاصة- في قصيدة أدبية يمدح فيها شجاعته وهو يخاطب فاطمة ابنة عمه، ويصف معركته مع الأسد الذي وقف بينه وبين مهرها: مئة ناقة كاملة في وادٍ بعيد.

فلقد كان مستعدًا أن يواجه أسدًا ليعود بالمهر. شجاعة تُطرب السامعين، وتناسب صورة الفارس المغوار في مخيلة ذلك الزمن. لكن ما شدّني في القصة لم يكن الأسد، ولا السيف، ولا الدماء… بل فاطمة نفسها.

من هي المرأة التي قَبِلت مهرًا مكوّنًا من مئة ناقة؟

وهي سيدة رفيعة المقام، لا علاقة لها برعي الإبل ولا بإدارة القطعان؟

ثم بدا لي أن الأمر لم يكن استعراضًا للكرم ولا مبالغة في القيمة، بل كان اختيارًا ذكيًا للغاية. فمئة ناقة في ذلك الزمن لم تكن مجرد عدد، بل كانت مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا. قطيع يتكاثر، يُستثمر، يُنتج لبنًا ولحمًا ونسلًا، ويمكن بيع جزء منه عند الحاجة، ويبقى الأصل قائمًا ينمو عامًا بعد عام ويدوم لأجيال . لم يكن ذلك المهر زينة تُعلّق، بل مصدر دخل طويل الأمد، وأمانًا اقتصاديًا حقيقيًا.

ولنفهم الصورة أكثر، علينا أن نتذكر لماذا وُجد المهر أصلًا. فالمهر في جوهره ليس هدية عابرة، بل إشارة واضحة إلى قدرة الرجل على تحمّل المسؤولية المالية، ودليل على استعداده لبناء بيت مستقر. في كثير من المجتمعات، كان المهر يعادل دخلًا سنويًا كاملًا، أي أنه يمثل ثمرة جهد عامٍ كامل. لذلك فاستلامه لم يكن مجرد طقس اجتماعي، بل لحظة انتقال حقيقية في حياة الشاب وحياة الفتاة.

لكن ما يحدث اليوم بعد استلام المهر هو ما يدفعني للتساؤل. يُقال للفتاة أن المال حقها الشرعي الكامل، وأن لها حرية التصرف به كما تشاء، ثم تُدفع نحو خيار واحد يُقدَّم لها على أنه الأضمن والأعقل: الذهب. لا تتركي المال نقدًا لأنه سيفقد قيمته، لا تشتري أشياء قد تتغير فائدتها، احتفظي به ذهبًا فهو الأمان، وهو الزينة، وهو الضمان. وتتكرر القصص عن نساء خبأن ذهبهن في صناديق صغيرة في خزائنهن وعشن مطمئنات طوال عمرهن .

أنا لا أنكر مكانة الذهب، ولا رمزيته، ولا كونه أصلًا استثماريًا في سياقات كثيرة. هو زينة جميلة، ومخزن قيمة في أزمنة معينة، وله حضوره في ثقافتنا وتاريخنا. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بهدوء هو: هل هو الخيار الوحيد؟ وهل ما كان مناسبًا في زمن معين يبقى هو الخيار الأذكى في كل الأزمنة؟

حين أتأمل قصة فاطمة، لا أرى ناقةً ولا ذهبًا، بل أرى فكرة. أرى مهرًا يتحول إلى أصلٍ منتج، لا إلى شيء ساكن. أرى مالًا يعمل، لا مالًا يُخزَّن. ولو نقلنا هذه الفكرة إلى زمننا، فربما لا تكون المئة ناقة هي الخيار، وربما لا يكون الذهب هو الإجابة الوحيدة أيضًا. نحن نعيش في عصر تتغير فيه أدوات الاستثمار بسرعة؛ شركات التقنية، الذكاء الاصطناعي، الطاقة المتجددة، والأسواق الرقمية كلها مجالات تُنتج ثروات خلال سنوات قليلة، لمن يفهم قواعدها ويتعامل معها بوعي.

لا أعني بهذا أن تشتري سهمًا غدًا، ولا أن تخوضي استثمارات لا تفهمينها، فلكل استثمار مخاطره وقوانينه. لكنني أعني أن تتعلمي كيف يعمل المال، وأن تفكري في مهرك – إن جاء يومًا – على أنه فرصة لبناء أمان طويل الأمد، لا مجرد قطعة تُعلّق في عنقك. فالمعرفة نفسها استثمار، والوعي المالي جزء من نضجنا لا يقل أهمية عن أي زينة.

حين أفكر في الأمر، أتساءل: لو كنتُ مكان فاطمة اليوم، ماذا كنت سأختار؟ هل أبحث عن صندوق ممتلئ يلمع في الخزانة، أم عن أصلٍ ينمو بصمت ويمنحني راحة لا تُرى لكنها تُشعرني بالأمان؟

في النهاية، المسألة ليست ذهبًا ضد سهم، ولا تقليدًا ضد حداثة. المسألة هي طريقة تفكير. هل مهرك زينة تُبهج العيون لحظة، أم بوصلة أمان ترافقك سنوات طويلة؟ وهل لديكِ الشجاعة لتتساءلي عن الخيارات الأخرى، حتى لو لم تكن مألوفة؟

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
رؤية جميع التعليقات
0
الانتقال إلى خانة التعلقات.x
()
x